أحمد الخراز البغدادي
15
كتاب الصدق أو الطريق السالمة
قال : نفسي إن لم أحسن إليها لم تحملني . وإن لم تجبه إلى ما يرضي اللّه ، ورآها بطيئة ، منعها محبوبها من العيش ، وخالفها عندما تهوى ، وعاداها في اللّه ، وللّه ، وشكاها إلى اللّه ، حتى يصلحها له . ولا يقيم على ذمّها مع الإحسان إليها ، وذكر عيوبها والذّم لها ، وما لا يرضاه من فعلها ، مع الإقامة معها على الذي تهواه من الفعل . وهكذا : يروى عن بعض العلماء أنه قال : « قد علمت أن من صلاح نفسي : علمي بفسادها » . وكفى بالمرء إثما : أن يعرف من نفسه عيبا لا يصلحه ، وليس منتقلا من ذلك إلى توبة . وقال بعض العلماء : إن كنت صادقا في ذمّك لنفسك : فإنّ ذمّك غيرك بما فيك فلا تغضب . وإذا نازعتك نفسك إلى شيء من الشهوات ، أو شغل قلبك في طلب شيء مما حرم عليك وحلّ لك ، فاتهمها تهمة من يريد صلاحها ، وامنعها من ذلك منع من يريد استعبادها ، واحملها بالامتناع عن الملاذّ على اللحوق بمن تقدمها . فإن الذي نازعتك إليه : لا يخلو من أن يكون حراما تستحق به السخط ، أو حلالا ، تستوجب به طول الوقوف على المسألة إذا مضى التاركون للحرام إجلالا له وتعظيما له ، ووقفوا عن الحلال للانكماش والمبادرة . فاعمل في فطام نفسك عن الحالين جميعا ، فإنّ من فطم نفسه عن الدنيا : كان رضاعه من الآخرة ؛ ومن اتخذ الآخرة أمّا : أحبّ برّها والورود عليها . وإذا رضي أبناء الدنيا بالدنيا أما ؛ وبرّوها ؛ وسعوا من أجلها ، فارم المؤثرين للدنيا من قلبك بالهجران ، مع النّصيحة لهم وتحذيرهم إياها .
--> - عبد الرحمن بن صخر الدوسي ، الملقب بأبي هريرة . صحابي ، كان أكثر الصحابة حفظا للحديث ورواية له . نشأ يتيما ضعيفا في الجاهلية ، وقدم المدينة ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بخيبر ، فأسلم سنة 7 ه ، ولزم صحبة النبي ، فروى عنه 5374 حديثا ، نقلها عن أبي هريرة أكثر من 800 رجل بين صحابي وتابعي . وولي إمرة المدينة مدة . ولما صارت الخلافة إلى عمر استعمله على البحرين ، ثم رآه ليّن العريكة مشغولا بالعبادة فعزله . وأراده بعد زمن على العمل فأبى ، وكان أكثر مقامه في المدينة وتوفي فيها . وكان يفتي . الأعلام 3 / 308 ، وتهذيب الأسماء واللغات 2 / 270 ، والإصابة ، الكنى ت 1179 ، والجواهر المضية 2 / 418 ، وصفة الصفوة 1 / 285 ، وحلية الأولياء 1 / 376 .